تتعلّم الشعوب والطّبقـات والأمم من هزائمها أكثر ممّا تتعلّم من انتصاراتهـا، وقد تجد فيها محرّكـا لتحرّرهـا، فالهزيمة تستدعي التفكير والمساءلة، وتتطلب تجديدا في التصوّرات والمفاهيم والمنـاهج والخطط، وتحديد آخر للـوسائل والغايـات، ويمكن متى توفّـر شرط تقييمها الموضوعي أن تكون دافعـا لولوج عـوالم جديدة، إنّهـا تفتح عيون النّـائمين على وسادة الانتصارات والفتوحات الكــاذبة حتّى ينتبهوا إلى الهــاوية التي قبعـوا فيها، وتستحثّهم على الخروج منها دون تأخيـر.
الهزيمة ترجّ، تزلزل، توقـظ، تستنهض، متى اعترفنا أوّلا بأنّهـا خسران قد نكون نحن من سبّبنــاه لأنفسنـا، فعندهـا يبدأ نقـد ذاتي عـامّ وجذريّ وشجــاع، لقد انتصر العدوّ لأنّـنا انهزمـنا، وسيُهزم إذا ما انتصرنا، فالنّصر والهزيـمة يتنقّلان من موقـع إلى آخـر حسب مــوازين القـوى.
ليست الهزيـمة أبديّـة إلاّ متى إقنـاع الذّات بأنّهـا انتصار مدوّي، وفتـح ربّانيّ، فتقـام الأفـراح والاستعراضـات والكرنفـالات لتمجيد المهزومين باعتبارهم منتصرين. ويُرسّخ ذلك الـوهم في أذهـان حشود المعدمين والمقهـورين. فعندمـا لا نسلّم بحصول الهزيمة ونسمّيها نكبة ونكسة ونصرا إلهيّـا وفتحـا مبينـا، فإنّهــا لن تفـارقنا البتّـة.
فهمُ الهزيـمة شرط أساسي من شروط التحرّر منها، وهو ما يجب أن يشمـل ما جرى و يجري بكليّته وأجزائـه، وهنـا تؤدّي المعرفـة العقليّـة النّقديّــة دورها، فتُخلي الخطـابة الانتصاريّـة المجــال أمام التّقييم الموضـوعي، ويصبح ممكنـا إدراك ما إذا كـان سبب الهزيــمة ماثلا بالنّسبة إلى الانتفـاضات والثّــورات في جمــاهير لم تدرك بعدُ شروط تحرّرهـا، فانتفضت بعفويّــة ضدّ طغـاتها ومستعبديـها، ولن نضالها سرعـان ما تكسّـر على صخرة عدوّهــا الذي يمتلك وســائل القـوّة المختلفـة، أم أنّ ذلك السّبب كــامن في أنّ "قــادتها" قد تعوّدوا على المهــادنة والتّقـاعس والتّراجع والبيـع والمبــادلة ؟، دون أن يُلغي هذا احتمــال تظافـر هذين الشّرطين مجتمعين في تفسير ما حدث.
يُجبر أحيـانا القـادة في الحروب والانتفاضات والثّورات على اعتمـاد وسائل وأشكـال نضال لم يحن وقتـها، بفعل ضغط الطّرف المقـابل، فيصبح الردّ الفـوري على هجوم الخصم مسألـة شرف، ولكن منهم من يحسب لذلك حسـابه، فيهـاجم ويتراجع ثمّ يهـاجم من جديد، وهكذا حتّى تحقيق النّصر، ومنهم من يثق في عدوّه ويركن إلى وعوده ولا ينتبـه إلى مناوراته، فيتراجع مبكّرا عن الخطوة الأولى التي اعتزم القيــام بها، ويتكرّر ذلك مرارا فتكون هزيمته، غذ يزرع البلبلة والاضطراب بين جنوده فينفضّون من حوله وسط قهقهات أعدائـه، الذين يُطبقُـون عليه دون شفقـة من كلّ حدب وصوب فيمزّقـونه إربـا.
هناك أهميّة خاصّة للخطوة الأولى في المعــارك المختلفـة، فمن يبادر بالــقيام بها عليه أن لا يتوقّف بعد ذلك عن التقدّم في اتّجــاه الهدف الـموالي، فكلّ تقــاعس يكلّف ثمنـا غاليـا، والانتفاضات والثّـورات كما المعارك الحربيّـة إذا ما توقّفت في مكانها ورضيت بتقبّل لكمــات أعـدائها فإنّهـا تموت مبكّرا.
خلال تجارب تــاريخيّة كثيرة أصيبت الثّـورات والانتفاضات بهــزائم قــاسية، ولكنّها كانت رغم ذلك تلملم جراحــاتها، وتتغلّب على انكســاراتها،، لكي تنتصر في الأخيـر، بل إنّ أعداءهـا كانوا باستمرار مهزومين في انتصارهم عليها، بينمـا كانت هي منتصرة عليهم في هـزائنهـا، بالمعنيين التاريخي والأخلاقي للكلمة، فالكـفــاح المشروع يُكلّل بالنّصر ولو بعد حيــن، والمفــارقة كما تبرزها روزا لكسمبورغ أنّ "الثّــورة هي الشّكـل الوحيـد" للحرب حيث النّصر النّهائي لا يمكن تحقيقه إلاّ عبر سلسلة من "الهـــزائم".
فريد العليبي، صحيفة آخر خبر التونسية، 18 ديسمبر 2012.