تستغلّ الرجعية التّركية وجود حلفائها في الحكم في الدّولة التونسيّة لتجد عبر التّراب التّونسي منفذا لتحقيق سياستها التوسّعيّة العسكريّة في الأراضي الليبيّة من خلال دعمها لحكومة الوفاق (حكومة السراج) في الحرب الاهليّة الدّائرة هناك. وتستغلّ هذه الرجعيّة الاتّفاقيات الاقتصاديّة غير المتكافئة التي أبرمتها مع السلطات التونسيّة حتّى تسرّب من خلالها ما يمكنها تسريبه إلى ساحة القتال في ليبيا من أسلحة ومقاتلين وجنود تحت عناوين لا يمكن التأكّد من براءتها وصدقها على غرار إيصال الأدوية وتقديم المساعدات وغيرها من العناوين.. وحتّى وإن كانت تلك العناوين صحيحة فإنّ الهدف من تقديم تلك المساعدات والأدوية واضح ولا يرقى إليه الشكّ وهو دعم الأطراف التي تقاتل بالوكالة عن هذه الرّجعيّة ومنها المجموعات والعصابات الإرهابيّة التّكفيريّة الموجودة سابقا في ليبيا والتي أشرفت الدّولة التركيّة على تسفير عناصرها عبر وساطات منتشرة في المنطقة العربيّة ثمّ تلك العصابات التي نقلتها مؤخّرا من ساحة الحرب في سوريا وكذلك جنودها الذين أنزلتهم على التّراب اللّيبي وهي لن تبخل طبعا في امداد هؤلاء المقاتلين والجنود بما يلزمهم من أسلحة واموال ومختلف الحاجيات... وقد أصبح التّراب التونسي جسرا لتحقيق الرّبط بين تركيا و"جيشها" بمختلف فصائله الذي يقاتل على التراب الليبي وقد امّن هذا الجسر عددا من الرّحلات كان آخرها الطّائرة التي هبطت في ساعة متأخّرة من ليلة الخميس 7 ماي 2020 في مطار جربة جرجيس...
وأمام هذه الحركة تظلّ عين السّلطات الرّسميّة في تونس مغمضة لا يتحرّك لها جفن بل إنّها إذا ما أجبرت على فتحها لا تنطق بغير عبارات التّبرير لما تنطق به السلطات الرسمية التّركيّة ثمّ تعود إلى النّوم غير مبالية بما يثار من أسئلة خطيرة حول تلك الرّحلات تتعلّق بانتهاك سيادة مفقودة وبمشاركة غير معلنة في دعم شركاء تركيا في ليبيا وبالتالي الاصطفاف خلف أطراف معيّنة في الحرب هناك والأخطر من ذلك ما يتعلّق بتحويل مناطق من التّراب التونسي على قواعد عسكريّة خلفيّة لجيوش تركيا ومرتزقتها.
ويظلّ صمت الدّولة التّونسيّة هو الموقف الرّسميّ المعلن إلى أن يحدث الخــراب والدّمار القادمان، واللذان لن يطول انتظارهما، جرّاء هذا الجسر الذي فتحته الرّجعيّة التركيّة برضا الرّجعيّة التونسيّة الذي يقرأ من علامات صمتها المعلن. وهذا الخراب آت لا محالة وفي كلّ الحالات التي ستؤول إليها الحرب في ليبيا: ففي حالة/فرضيّة هزيمة وكلاء تركيا ومرتزقتها وجيشها سينجرّ عن ذلك هجرة مسلّحة عكسيّة من الشرق (ليبيا) إلى الغرب (تونس) بعد أن كانت الهجرة سابقا من الغرب إلى الشّرق وغزو التراب التونسي عبر الحدود سواء كانت مغلقة أو نصف مغلقة. وفي الحالة/الفرضيّة الثانية، إذا ما انتهت الحرب بالتسوية الديبلوماسيّة - وهذا مستبعد إلاّ إذا ما طال أمد الحرب عشرات السنوات – سيُدفع السلطان التركي إلى نقل عصاباته التكفيريّة، حتّى وإن كان بهدف التخلّص منها، إلى بؤرة جديدة، ولن يجتهد كثيرا في البحث عنها ولن تكلّفه حينئذ عمليّة النّقل نفقات كبيرة ولا جسرا للعبور كما يحدث حاليا من سوريا إلى ليبيا فالمجال مفتوح أمامه. وفي كلتا الحالتين، فإنّ القاعدة الخلفيّة لتركيا جاهزة لاستقبال الغزاة والفاتحين. أمّا في الحالة/الفرضيّة الثالثة، فإذا انتصر وكلاء تركيا في ليبيا، فإنّ عصرا جديدا من الهيمنة المباشرة سيفتح في المنطقة، وهو عصر إعادة بناء المجد العثماني على الأرض العربيّة.
ومهما تكن السيناريوهات التي سيؤدّي إليه الصّراع الدّائر في ليبيا، فإنّ مشروع التوسّع التّركي على الأرض العربيّة إن تحقّق في ليبيا أو فشل فإنّ الأرضيّة ستكون مهيّأة في تونس لإنجاحه في مختلف الحالات، من خلال الطّريق التي تمّ تعبيدها عبر الاتّفاقيات السّابقة التي أغرقت السّوق الدّاخلية بالبضائع التّركيّة وبالشّركات التي تتحكّم في مطاراتنا وعمّالها.. وبالاتّفاقيات اللاّحقة التي يجري العمل على قدم وساق من أجل تمريرها وشرعنة الاستعمار الزّراعي القادم من الشّرق تحت غطاء تشجيع الاستثمارات وجلبها حتّى وإن كانت من تركيا وقطر.
وطبعا لن تخسر الرّجعيّة الحاكمة في تونس، بشقّيها، أيّا من امتيازاتها بما أنّها لن تغيّر موقف الصّمت الظّاهري والرّضا الباطني ومصالحها لن تتضرّر إن تحوّل الوطن إلى إمارة تكفيريّة أو إيالة تركيّة فهذه الرّجعيّة ستتأقلم مع الأوضاع الجغرا سياسيّة الجديدة التي ستحافظ فيها على سيادتها الشّكليّة تجاه الخارج وسيادتها الدّاخليّة على الشّعب الذي قدّر له أن لا ينعتق من رقبة الاستعمار بمختلف أشكاله القديمة والجديدة.
إنّ التّعويل على الرّجعيّة الحاكمة لتغيير موقفها الرّافض للتدخّل التركي في ليبيا أو في تونس هو ضرب من نسج الخيال، ولا يمكن للثوريين أن ينتظروا من هذه الرّجعيّة بطرفيها الليبرالي والديني موقفا مغايرا لموقفها الحالي. فالحلّ هو خارج حصون الرّجعيّة وبيد الشّعب الذي يمكنه وحده أن يحقّق سيادة وطنيّة حقيقيّة ويركّز سلطة ديمقراطيّة شعبيّة. وذلك لا يمكن أن يتحقّق دون توحيد القوى الوطنية والديمقراطية الثّوريّة في جبهة ثوريّة تأخذ على عاتقها قيادة وتوجيه جماهير الشعب في معركة الدّفاع عن الوطن وتصفية علاقات ومعاهدات الهيمنة الاستعمارية، والتي تمثّل العلاقات مع الدّولة التركيّة جزءً منها، وإحلال الديمقراطية الشعبية مكان الديمقراطية القديمة/الحاليّة التي تكرّس دكتاتورية الطّبقات الرّجعيّة.